عثمان بن جني ( ابن جني )

321

الخصائص

فأمّا قول من قال : إن قولهم ( لهنّك ) إن أصله ( للّه إنك ) فقد [ تقدّم ذكرنا ] ذلك مع ما عليه فيه في موضع آخر ؛ وعلى أن أبا علىّ قد كان قوّاه بأخرة ، وفيه تعسّف . ومن إصلاح اللفظ قولهم : كأن زيدا عمرو . اعلم أن أصل هذا الكلام : زيد كعمرو ، ثم أرادوا توكيد الخبر فزادوا فيه ( إنّ ) فقالوا : إنّ زيدا كعمرو ، ثم إنهم بالغوا في توكيد التشبيه فقدّموا حرفه إلى أوّل الكلام عناية به ، وإعلاما أن عقد الكلام عليه ؛ فلمّا تقدّمت الكاف وهي جارّة لم يجز أن تباشر ( إنّ ) لأنها ينقطع عنها ما قبلها من العوامل ، فوجب لذلك فتحها ، فقالوا : كأنّ زيدا عمرو . ومن ذلك أيضا قولهم : لك مال ، وعليك دين ؛ فالمال والدين هنا مبتدءان ، وما قبلهما خبر عنهما ، إلا أنك لو رمت تقديمهما إلى المكان المقدّر لهما لم يجز ؛ لقبح الابتداء بالنكرة في الواجب ، فلمّا جفا ذلك في اللفظ أخّروا المبتدأ وقدّموا الخبر ، وكان ذلك سهلا عليهم ، ومصلحا لما فسد عندهم . وإنّما كان تأخّره مستحسنا من قبل أنه لمّا تأخّر وقع موقع الخبر ، ومن شرط الخبر أن يكون نكرة ، فلذلك صلح به اللفظ ، وإن كنا قد أحطنا علما بأنه في المعنى مبتدأ . فأمّا من رفع الاسم في نحو هذا بالظرفيّة ، فقد كفى مئونة هذا الاعتذار ؛ لأنه ليس مبتدأ عنده . فإن قلت : فقد حكى عن العرب ( أمت في حجر لا فيك ) ، وقولهم : ( شرّ أهرّ ذا ناب ) ، وقولهم : ( سلام عليك ) قال اللّه سبحانه وتعالى : سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي [ مريم : 47 ] ، وقال : وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ [ المطففين : 1 ] ونحو ذلك . والمبتدأ في جميع هذا نكرد مقدّمة . قيل : أمّا قوله سلام عليك ، وويل له ، وأمت في حجر لا فيك ، فإنه جاز لأنه ليس في المعنى خبرا ، إنما هو دعاء ومسألة ، أي ليسلّم اللّه عليك ، وليلزمه الويل ، وليكن الأمت في الحجارة لا فيك . والأمت : الانخفاض والارتفاع والاختلاف ؛ قال اللّه عز وجل : لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً [ طه : 107 ] أي اختلافا . ومعناه : أبقاك اللّه بعد فناء الحجارة ، وهي ممّا توصف بالخلود والبقاء ؛ ألا تراه كيف قال : ما أطيب العيش لو أن الفتى حجر * تنبو الحوادث عنه وهو ملموم ! " 1 "

--> ( 1 ) البيت لابن مقبل في ديوانه ص 273 ، وشرح شواهد المغنى 2 / 661 ، وبلا نسبة في لسان